في شتاء عام 2013، كانت عشرات العائلات الهاربة من القصف تبحث عن أي مكان آمن في ريف دمشق. داخل معمل في منطقة عدرا، تجمعت عائلات كاملة جاءت من جوبر وعربين وعين ترما. نساء، أطفال، رجال كبار في السن، ورضّع. كان المكان بارداً وفقيراً، لكنه بدا أكثر أماناً من الموت اليومي في الغوطة، لم يكونوا يعرفون أن المعمل سيتحول لاحقاً إلى آخر مكان شوهدوا فيه أحياء. في الرابع من شباط/فبراير 2013، اختفت عائلات كاملة من داخل ذلك المعمل، بعد حصاره من قبل قوات النظام السوري السابق والحواجز المحيطة بالمنطقة، من بين المفقودين كانت عائلة عدنان الشريف وعائلة الربيع، إلى جانب عائلات أخرى. أطفال بعمر الأشهر اختفوا هناك، منهم عبادة العربينية، الذي كان رضيعاً لا يتجاوز عمره شهرين أو ثلاثة، وشقيقته لانا ذات السنوات الخمس، وعلي ذو السبع سنوات. كما اختفت عائلات كاملة تضم جدات وآباء وأمهات وأطفالاً ونساءً حوامل، بعض الروايات تحدثت عن قتل الرجال أولاً، ثم اقتياد النساء والأطفال إلى جهة مجهولة. لكن حتى اليوم، لا توجد أي رواية مؤكدة عما حدث داخل المعمل، إسعاف حمودة، التي فقدت جدتها وخالها وزوجته وأطفاله الستة، تقول إنهم ركضوا خلف كل خبر طوال السنوات الماضية. زاروا المقابر الجماعية، ودور الأيتام، والسجون، وراجعوا القوائم والصور. “نحنا ورا أي خبر بيطلع… منركض.” أما عدنان، فيعود باستمرار إلى المكان الذي اختفت فيه عائلته، يقف أمام المعمل كأن الأرواح ما تزال هناك. “بحس بصراخاتهم هون… بحس صورهم على الحيطان عم تلومنا إنو ما قدرنا نعملهن شي.” بعد سقوط النظام السوري السابق، عاد الأمل للحظات. العائلات اعتقدت أن فتح السجون سيكشف الحقيقة أخيراً. لكن شيئاً لم يظهر. لا أسماء. لا وثائق. لا قبور. فقط روايات متناقضة عن سجون، وحواجز، وأطفال ربما نُقلوا إلى دور رعاية أو بيوت عناصر أمن، تقول إسعاف إنها لم تعد تبحث فقط عن أحياء،“حتى لو قتلوا… بدنا نعرف وين صاروا.” اليوم، وبعد أكثر من 14 عاماً، ما تزال العائلات تحمل صور الأطفال نفسها. أطفال كان يفترض أن يصبحوا شباباً الآن، لكنهم ما زالوا عالقين في ذاكرة عائلاتهم… كما كانوا يوم اختفوا داخل المعمل….
في 15 تموز/يوليو 2024، كانت مريم جديع عائدة من شمال سوريا إلى حمص مع طفليها نور وحسين، بعد حضور عرس عائلي في منبج. كان زوجها مثقال الخلاوي ينتظرهم في حمص، يتابع الطريق معهم لحظة بلحظة عبر الهاتف، مثل أي أب يحسب الدقائق حتى يصل أطفاله إلى البيت. نور كانت في العاشرة من عمرها، تلميذة في الصف الخامس، أما حسين، فلم يكن قد تجاوز السادسة. قبل وصولهم إلى حمص، عبرت العائلة معبر الطبقة، ثم وصلت إلى الحواجز التابعة للنظام السوري السابق على طريق الرقة – السلمية. في آخر اتصال بينهما، قالت له مريم إنهم اقتربوا من الحاجز. “صرنا على الحاجز… بسكر الجوال شوي.” كانت تخاف أن يراها أحد العناصر تتحدث على الهاتف، بعدها انقطع الخط. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أي هاتف يعمل مجدداً. اختفت مريم، واختفى الطفلان، وكأن السيارة ابتلعتها الطريق. يقول مثقال إنه في البداية لم يستوعب ما حدث، ظل ينتظر ساعات طويلة في كراج حمص، معتقداً أن الحافلة تأخرت فقط، لكن الليل مرّ… ولم يصل أحد. لاحقاً، عاد إلى المعبر الذي عبرت منه العائلة، هناك شاهد تسجيلات كاميرات المراقبة التي أظهرت زوجته وهي تستلم هوياتها وتعبر باتجاه مناطق النظام السابق. كانت تحمل دفتر العائلة بيدها، وكان طفلاه يسيران معها. “هني كانوا بخير… شفتهم بعيني بالكاميرات”، لكن تلك كانت آخر مرة يُرى فيها أثرهم. منذ ذلك اليوم، تحولت حياة مثقال إلى رحلة بحث مفتوحة. باع ما يملك دفع أموالاً طائلة لأشخاص وعدوه بمعلومات. تنقل بين الفروع الأمنية والسجون والحواجز، فتش في القوائم والصور والمشافي. ولا شيء. يقول إن خسارته لم تكن فقط فقدان عائلته، “خسرت بيتي… وشغلي… وصحتي… وكل شي.” كان يملك محلاً صغيراً في ريف حمص، لكنه أغلقه منذ اختفاء زوجته وأطفاله. لم يعد قادراً على العمل أو متابعة حياته بشكل طبيعي. اليوم يعيش وحيداً، محاطاً بصور طفلين لا يعرف إن كانا ما يزالان على قيد الحياة. أحياناً، يقول إن الانتظار نفسه أصبح شكلاً آخر من العذاب. “وصلت لمرحلة… صرت أتمنى لو أنهم ميتين، بس أعرف وين هنّي.”…
في عام 2013، اختفت الطبيبة السورية رانيا العباسي مع زوجها وأطفالها الستة داخل شبكة الاعتقال التابعة للنظام السوري السابق، لتتحول قصتها إلى واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري شهرةً في سوريا. رانيا العباسي لم تكن اسماً عادياً. كانت طبيبة أسنان معروفة في دمشق، وبطلة سوريا السابقة في الشطرنج، وأماً لستة أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وخمسة عشر عاماً. عاشت العائلة في حي مشروع دمر بدمشق، بعيداً عن أي نشاط سياسي. لكن الحرب السورية كانت قد بدأت تبتلع تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، حتى أولئك الذين لم يشاركوا فيها بشكل مباشر. في آذار/مارس 2013، اعتُقل زوجها عبد الرحمن ياسين، وهو طبيب أيضاً، بعد اتهامه بتقديم مساعدة لشخص مطلوب من قبل الأجهزة الأمنية. وبعد يومين فقط، اقتحمت قوات أمن منزل العائلة مجدداً، واعتقلت رانيا وأطفالها الستة: ديما، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، وليان. ومنذ ذلك اليوم، لم تُعرف أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم. لاحقاً، ظهرت شهادات لمعتقلين سابقين تحدثوا عن وجود رانيا داخل أحد مراكز الاحتجاز، وعن سماع أصوات أطفال في زنازين قريبة. كما تداولت تقارير غير مؤكدة معلومات عن وفاة زوجها عبد الرحمن تحت التعذيب، بعد ظهور صور مسربة من سجون النظام السوري السابق، عُرفت باسم “صور قيصر”. أما الأطفال الستة، فلا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم. تحولت القضية مع مرور السنوات إلى رمز عالمي لملف المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا، خصوصاً بسبب اختفاء أطفال صغار داخل السجون. منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية، طالبت مراراً بالكشف عن مصير العائلة، بينما أعاد ناشطون وصحفيون تداول القضية بشكل واسع بعد سقوط النظام السوري السابق، وسط دعوات لفتح ملفات السجون وكشف مصير آلاف المفقودين….
كانت هاجر الناجية الوحيدة. في بداية الحرب السورية، نزحت عائلتها من داريا إلى صحنايا هرباً من القصف والخوف. هناك حاولوا أن يبدأوا حياة جديدة، وأن ينجوا فقط. بقوا معاً حتى صيف عام 2013. حتى السادس من آب/أغسطس… اليوم الذي اختفت فيه العائلة بالكامل، في ذلك اليوم، كانت هاجر تتحدث مع شقيقتها عبر الهاتف وفجأة تغيّر صوتها. صرخت:“مسكونا على الحاجز!” ثم انقطع الخط، بعدها بدقائق، أصبحت كل الهواتف خارج التغطية ومنذ تلك اللحظة… لم يظهر أحد منهم مجدداً. سبعة أفراد اختفوا دفعة واحدة: ماريا حاج أحمد، ثلاث سنوات. شيماء حاج أحمد، عشر سنوات. محمد أمين حاج أحمد، خمسة عشر عاماً. فاطمة الزهراء حاج أحمد، سبعة عشر عاماً. سندس حاج أحمد، تسعة عشر عاماً. ووالدهما عبد العزيز نعسان الحاج أحمد، ووالدتهما زبيدة حافظ الصيادي. كانت العائلة قد غادرت دمشق باتجاه بلدتهم حلفايا في ريف حماة لقضاء عطلة العيد، لكن الرحلة انتهت عند حاجز “القبو” الواقع بين حماة وحمص. اختفوا هناك… دون أي أثر حتى اليوم. بحسب شهادات من المنطقة ومعلومات ميدانية، كان الحاجز يخضع آنذاك لسيطرة ميليشيات مرتبطة بالمدعو شجاع العلي، التابع للنظام السوري السابق، حاجز اشتهر بالخوف والاعتقالات والاختفاءات. لكن بالنسبة لهاجر، كل هذه التفاصيل لا تغيّر شيئاً من الألم، مرت سنوات طويلة… وما زالت تبحث، لا عن العدالة فقط، بل عن إجابة. وتقول بصوت تختلط فيه الخسارة بالأمل: “حتى لو كانوا ميتين… بس بدي أعرف مصيرهم.”…
في السابع من نيسان/أبريل 2013، كانت ثلاث عائلات قادمة من بيروت في طريقها إلى إدلب رحلة عادية… كان يفترض أن تنتهي بلقاء عائلي، وبداية حياة جديدة في تركيا لكنها انتهت عند حاجز في حمص منذ تلك اللحظة، اختفت السيارة، واختفى السائق، واختفى الجميع تسعة أطفال كانوا داخل تلك السيارة أيهم سيد عيسى، رضيع لم يتجاوز الثمانية أشهر التوائم الثلاثة أحمد وعبدالله وإبراهيم كنجو، بعمر ثماني سنوات غنى سيد عيسى، سنتان يثرب سيد عيسى، ست سنوات عبدالله سيد عيسى، ثماني سنوات عبدالهادي سيد عيسى، أحد عشر عاماً آية سيد عيسى، ستة عشر عاماً اختفوا جميعاً مع أمهاتهم… دون أي أثر حتى اليوم محمد كنجو، والد التوائم الثلاثة، يقول إن تلك كانت أول حادثة اختفاء يسمع بها في تلك المنطقة. كان ينتظر زوجته وأطفاله في إدلب، استعداداً للسفر معهم إلى تركيا رحلة لم تحدث أبداً، الأطفال الثلاثة كانوا قد وُلدوا بعد تسع سنوات من الانتظا أما والدهم، فكان موظفاً في مؤسسة معامل الدفاع قبل أن ينشق عن عمله يتذكر آخر مكالمة معهم: “قالوا لي إنهم عند حاجز الزاهرة في حمص… وبعدها انقطع الاتصال. كل الهواتف أصبحت خارج التغطية.” لاحقاً، وأثناء مراجعته لمحافظ إدلب بحثاً عن أي معلومة، اكتشف أن هناك عائلات أخرى تبحث عن المفقودين أنفسه، هناك التقى بعبدالقادر سيد عيسى، والد خمسة من الأطفال المفقودين، وهيثم سيد عيسى، والد الطفل أيهم الرضيع، حينها بدأت الصورة تتضح بشكل أكثر رعباً ثلاث عشرة سيارة قادمة من إدلب اختفت في المنطقة نفسها كلها تحمل لوحات إدلب ولا أحد عاد يقول كنجو إنه تواصل حينها مع وائل الحلقي، رئيس الوزراء السوري السابق، عبر مكتب محافظ إدلب، فكان الرد:“روح دور عند الإرهابيين… هدول الإرهابيين أخدوهم.” بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً، لا تزال العائلات تبحث عن أي دليل. عن اسم في سجل. عن صورة. عن قبر ويختم محمد كنجو بصوتٍ لا يزال يحمل الانتظار: “رح نضل نتذكرهم حتى نموت….
حلب، سوريا منذ أكثر من عقد، لم يتوقف زاهر العلبي عن البحث، يقول لنا “من عام 2012 ما خليت طريق يوصلني إلن إلا ومشيت فيه” في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2012، خلال أيام عيد الأضحى، اختفى شقيقه حازم العلبي (23 عاماً آنذاك)، مع زوجته دعاء فلاحة وابنتيهما، هالة (مواليد 2007) وهادية (مواليد 2009)، بعد توقيفهم على حاجز أمني في مدينة حلب، بحسب رواية العائلة كانت الرحلة قصيرة، لا تتجاوز دقائق بين منزل العائلة وبيت الأقارب، لكنها انتهت باختفاء كامل .يقول زاهر إن العائلة علمت لاحقاً أن الأربعة نُقلوا بين عدة فروع أمنية، بينها أمن الدولة والمخابرات الجوية والأمن القومي في دمشق ابتزاز مقابل المعلومة على مدى سنوات، حاول زاهر الوصول إلى أي خبر “حتى تعرف إذا هو عايش أو لا… بدهم مصاري”، يوضح أنه دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل معلومات غير مؤكدة، أو وعود بإيصال ملابس وأغراض إلى شقيقه داخل الاحتجاز “مرة طلبوا ملايين الليرات بس ليقولوا لي كيفه… ومرة حتى أوصل له بيجامة وملابس.” يضيف أنه دفع مبالغ إضافية، بينها ذهب، عبر وسطاء وضباط، دون نتيجة واضحة آخر معلومة وصلت إلى العائلة كانت في عام 2021، عندما قال سجين سابق إنه شاهد حازم في مستشفى عسكري، يقول زاهر إن شقيقه كان يعاني من مشكلة عصبية في قدمه، وهو ما قد يفسر نقله إلى المستشفى، لكن منذ ذلك الحين، انقطعت كل الأخبار مصير مجهول لطفلتين اليوم، يفترض أن تكون هالة في التاسعة عشرة، وهادية في السادسة عشرة، لكن العائلة لا تعرف إن كانتا على قيد الحياة، يقول زاهر: “ما عندي أي معلومة… عايشين أو ميتين، ما بعرف.” يرجح أن الطفلتين قد تكونان في دور أيتام، مستنداً إلى محاولات تواصل مع بعض المؤسسات، دون تأكيدات. على مدى سنوات، لجأت العائلة إلى محامين، وتواصلت مع جهات رسمية، لكنها لم تحصل على إجابات حاسمة، “بدنا نعرف الحقيقة… بس وينن؟” يقول. خلال سنوات النزاع في سوريا، اختفى عشرات الآلاف بعد توقيفهم أو احتجازهم، وفق منظمات حقوقية، ولا يزال مصير كثير منهم مجهولاً، في ظل محدودية الوصول إلى المعلومات الرسمية. رغم مرور أكثر من 12 عاماً، لا يزال زاهر يتمسك بالأمل. “لحد هلأ عندي أمل… أعرف وين هالبنتين.” …